الخميس، 7 أكتوبر 2010

فى ذكرى اكتوبر

فى ذكرى اكتوبر



نحتفل كل عام و نحتفى بذكرى غالية و عزيزة على قلب كل مصرى هى حرب اكتوبر المجيدة ، تزرع الثقة و الافتخار فى كل نفس مصرية ، مجرد رؤية المشاهد التى توجد مع كل لقطة و كل حركة يكاد يقشعر بدنك من روعة المنظر ، الحركات المنظمة القوية المفاجأة التى اصابت العدو بصمت الموقف ، رعشة البدن ، شلل الحراك ، دفعته للانحناء و قبول الهزيمة على عكس الاداعائات التى اثارها و لا يزال يثيرها حتى الان ، حسب ما يروى فان كل ما يروى و نراه على التلفزيون لا يتعدى نصف الحقيقة ، يكاد لا يصل لها حقا ، لكن بالرغم من ذلك نحن نحب و نقدر كل عمل يقدم على التلفزيون فى محاولة لتجسيد المشهد مرة اخرى ، فى محاولة لاعادة رسم الصورة امام الجيل الجديد – ابناء جيلى – ممن لم يعاصرون التجربة و لم يتمتعوا بها حق التمتع .

و للحق فان التجربة تكاد تجذب الجميع حولها ، يكاد الا يختلف عليها احد ، بانها كانت تجربة رائعة عظيمة اثبتت و حتى الان ان الجيش المصرى قادر على قهر اى شىء و انه مستعد لاى شىء ، يكفى ان تسأل اى من الجنود الابرار الذين يعرفون قيمة هذا الوطن و يبرونه ، ان كان وطنهم لا يبرهم حق البر ، يكفى ان تسألهم عن حقيقة ذلك فيخبرك انه كان مستعد لان يفعل اى شىء فى سبيل الوطن ، حتى التضحية بأغلى ما يملك ، حتى حياته ، لكنك مع ذلك تجد عيناه تكاد تلمع و تتقد بعدها و يقول لك ان ذلك لا يمثل اى شىء الى جانب ما فعله رفاقه فى الكفاح الطويل و الدرب الاصعب فى حياتهم جميعا ، بغض النظر عما حدث بعد الحرب و ما االت اليه ، فان ما حدث يكفى ليثبت لنا عزتنا و كبريائنا ، ما نحن قادرين على فعله وقت اللزوم .


و لكن اغلب جيلى قد و اشك انه يعلم الكثير عن تلك الحرب ، فذكرياتنا كلها عن الحرب عبارة عن اجتهادات و محاولات و تجارب لم تكلل بالنجاح بنسبة كبيرة حاول السينمائيون ان يقدموها فى افلامهم ، لكن يكفى انهم حاولوا و فتحوا لنا الباب لكى نطلع بعد ذلك من حيث نريد ان نقرأ عن تلك الحرب المدهشة و ما حدث بها ، ما الظروف التى كانت تجرى وقتها حول الحرب و ما قبلها و بعدها ، لكن هناك مشاهد كثيرة و قصص و روايات اكثر خرجت مشوهة على الشاشة كانت كفيلة بتحويل الفيلم الوطنى القومى الحربى الى فيلم كوميدى هزلى طفولى ، فمن ضحك ممن لديه عيون ثاقبة و قوة ملاحظة ، اعتقد كان اكثر ممن نظر لجوهر الموضوع و عظمته و فائدته ، فالمشاهد و القصص جائت غريبة و تكاد لا تصدقها فى معظم الوقت ، و على سبيل المثال :



- مشاهد الرصاصة لا تزال فى جيبى ، رغم انها اول تصوير على الجبهة و عن الحرب بعد الحرب مباشرة ، كانت معظم لقطاتها مادة سينمائية بعد ذلك فى الافلام التى تعد عن الحرب ، الا ان الفيلم لم يخلو من بعض المشاهد التى تدعو للاندهاش ، مثل الفنان محمود يس الرائد الذى يزاول الحرب كلها بساعة الكاسيو- او شبيهة بها- التى كانت على الموضة ايامها ، يجب ان تلمع الساعة فى كل مشهد و هى معلقة على اكمام القميص المكوى جيدا و حتى اخر الحرب ، حتى يعود لبلده و يقابل حبيبته . بل ان الممثل الرائع الاخر حسين فهمى ظل على اناقته طوال الفيلم – و لعل وسامته هى التى ساعدته على ذلك - ، لكن ان يظل شعره مكوى و متسرح جدا و جيدا طوال الفيلم ، لاحظ حجم الفرقة التى كان يشغلها و طول شعره الذى لا يتناسب اطلاقا مع الجيش و الرتبة . هذا غير المشهد الذى يتكرر دائما طوال الفيلم ، صورة الجندى المصرى الذى يهجم على الدبابة كأنها سيارة نصف نقل و يطرق الابواب من اعلى على الجندى الاسرائيلى الذى يفتح له غطاء الحلة ، الذى هو باب الدبابة ، يقاجأه الجندى بالقاء شىء ما داخل الدبابة تبدو و كأنها زمزامية الماء ، ليحدث الانفجار بمنتهى السهولة .... هذا فى نفس الوقت الذى كان فيه الجنود يفخرون فى الحقيقة بأنهم شاركوا فى تفجير دبابة ، منهم من مات تحت الدبابة فى محاولة لتفجيرها .


- مشاهد و حنكة السناريو فى فيلم اعدام ميت ايضا قد تختلف و لكن لا تقل اهتماما عن الباقى ايضا ، حيث ترى الضابط المصرى المحترم و المتدين فى بداية الفيلم ، هو عز الدين ، يغرق فى الملذات و النعم بعد ذلك فى الفيلم ، فهو و رغم تدينة مسموح له بتقبيل نصف الفتيات التى يراهن طوال مهمته ، مسموح له ايضا بما هو اكثر من ذلك ، مع ان الحقيقة تحمل فى طياتها ان اول و اهم ما يتم التنبيه عليه فى اى عملية مماثلة هو عدم الاختلاط ، عدم الدخول فى علاقات من شأنها ان تكشف الهوية و الانطباع و الاسرار ، قد يتسبب اقل حركة فيها الى اثارة الشكوك . ان مثل هذا الفيلم جعلنا كلنا نتمنى ان نصبح ضباط مخابرات ، ليس لخدمة البلاد ، لكن لنتمتع بما تمتع به الضابط عز الدين اثناء المهمة .


- فيلم الطريق الى ايلات هو الاخر ، بغض النظر انه يختلف عما حدث فى الواقع ، و انه يكاد يغاير السيناريو و الخطة الموضوعة ، الا ان التعامل فى بعد المشاهد قد يبدو ايضا مختلفا ، يبدو مغاير لمعايير العقل ، ففى المشهد الذى يتناول فيه الممثل الرائع جدا فى هذا الفيلم نبيل الحلفاوى ، ما نعرفه نحن بصباع الطباشير الذى هو المادة المتفجرة فى الفيلم ، و يتعامل معه بمنتهى الحذر خوفا من ان ينفجر وقت توسيعه ، الا انه يتعامل معه بمنتهى الاستخفاف و الاهمال عند تركيبه ، بوضع الموقد ثم القاءه بعدم اهتمام فيما يشبه غطاء الحلة ، لا يخشى ان ينفجر . ايضا التعامل احيانا مع التقدم و الانسحاب بمنتهى الاستخفاف و امام مرأى العدو و امام اعينه شىء يحتاج قليلا من الحنكة .


- ثم جاء الجيل الجديد ليزيد الطين غرسا و اغراقا ، حيث قدم فيلم عيال فى صورة فيلم حربى هو يوم الكرامة ، الذى استعان ببعض الممثلين اللامعى شعر الرأس ، الذى تضفى بعض الوسامة عليهم منظر راقصين ايطاليين فى احد الكازينوهات ، ليس منظر جنود بحرية ، الالتزام و الصلابة و الجلد هو عرفهم الاصيل . ان الممثلين الذين تناوبوا الاداء فى هذا الفيلم كمن لا يزال لم يصحو من نومه بعد ، لم يكن هدف اى منهم تقديم فيلم يمجد تاريخنا العسكرى ، لكن كان الهدف هو اعطاء رسالة انهم يقدمون مثل تلك الافلام و انهم همهم الوطنية و الانتماء على عكس ما نقرأ فى الجرائد عن فنهم الهزيل ، تشويه صورة مصر .




القائمة تطول ، لكن ما استطيع ان اقوله هنا ان كل من شارك فى صنع فيلم عن تلك الظروف وما حولها لهو فعلا يستحق الشكر على الاقل ، لانه قدم لنا صورة فى الوقت الذى غابت فيه الصورة ، لانه حاول ان يقدم معنى جديد يكاد يقترب و ان كان لا يستطيع بأى حال من الاحوال لصعوبة اختزال كل تلك الاحداث المشرفة فى ساعة او ساعتين ، لانه حاول ان يصور و يقدم ، لكن نحن نلزم عليهم ان المحاولة لم تكن بقصارى الجهد ، لم تكن بافضل الوسائل ، لم تكن ممولة بأموال تتناسب مع العمل ، يبدو انهم تعاملوا مع مثلية تلك الافلام انها افلام اليوم الواحد ، ستعرض ليوم واحد فى السنة ، فلا داعى للقلق .


للاسف جيلنا استقى معلوماته من تلك الافلام ، يتذكر مشهد القبض على القائد الاسرائيلى محى اسماعيل ، ضابط المخابرات الاسرائيلى الطخين ابو جودة ، مشاهد البارات ، العشش ، توسيع اصبع الطباشير ثم الاشارة بثلاثة اصابع اليد لتعطى علامة انتهاء و كمال المهمة ، صورة مادلين طبر و هى تغرى الجنود الاسرائليين ، ان الذى اعطى الاوامر لاطلاق الضربة هو حسين فهمى . طبعا هذا ليس ذنبهم وحدهم ، لكن يتحملون المسؤلية لعدم السؤال ، لعدم البحث ، لعدم الانصات للاحاديث الحوارية التى تتحدث عن المشهد العظيم .


اعود اخيرا بكلمة شكر لكل من ساهم او شارك او اجتهد فى هذا المشهد العريق الذى سيتوقف عنده التاريخ طويلا ، ليطلع العالم على قصة كفاح عظيمة قادها شعب عظيم ، على ارض مصرية ، بجهد و عرق و دماء مصرية فى محاولة لتغيير التاريخ و عدم تقبل الامر بسهولة ، استرداد الحق ، تكريم المصرى فى مشهد قلما نشاهده الان فى التاريخ المعاصر .




الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010

قرارات التصفية



قرارات التصفية



مما لا شك فيه - و لكم اكره ان ابدأ مقالاتى بمثل هذه الجملة و لكنى اعتقد انها ستكون اقل مما هو ات – ان بلدنا المصون سيمر فى الايام القليلة القادمة فى ممرات صعبة ، مسيرة طويلة مرهقة متعبة ، تبدأ غالبا بضرب الاقدام فى الارض و بشدة و عنف فى محاولة للثبات على الارض قبل الانطلاق ، لكن ما اخشاه هو من يتولى مسؤلية الدبدبة ، ما غرضه من الدبدبة ، هل بحق تثبيت الاقدام ، ام ازاحة من يظنهم من وجهة نظره سيعيقون المسيرة الجليلة لحضرته .


البلاد تستعد لحملة الانتخابات القادمة لمجلس الشعب ، العيون تترقب ، بخاصة الدولية منها ، الكل يرقب و يترقب ، ينتظر ليرى ان كانت الانتخابات ستتم على سابقتها ام لا ، هل التزوير الذى وصل حتى صناديق اقتراع الاندية سيستمر على صناديق الانتخاب ، و هل سيتم حقا تصفية الجميع فى محاولة لضمان الانتخابات الرئاسية القادمة ، التصريحات تؤكد ، الافعال تؤكد ، المسؤلون ينفون ، فمن نصدق ؟


كما قلت الهدف هو التصفية لكل صوت حر سيطالب بنزاهة الانتخابات ، الانتخابات ستتم على طريقة حزب وطنى مكتسح ، معارضة متواطئة ، مستقلون كما يدعون سرعان ما ينضمون للحزب الوطنى بعد النجاح بأيام ، حيث استغلوا صوت انهم مستقلون و غير منتمين لاى حزب سياسى كى يكسبون ثقة الناس ، ثم كانوا اول من يلعق الاقدام وراء الانضمام للطابور ، هو يعلم جيدا انه سيرتاع فيها دون محاسبة ان نجح فى الانضمام ، رفع عن نفسه العيون .


لا تتعجب ان رأيت نواب مجلس شعب يتحصلون على قرارات علاج على نفقة الدولة بملايين ، لا تتعجب ان رأيت نواب مجلس شعب يرتشون من اجل تعيين بعض الناس الذين لا يستحقون فى وظائف لا تتشرف انها تطلب شهاداتهم ، لا تتعجب ان رأيت موظفا يعين بشهادات وسطى و ضعيفة فى كراسى وزارة المالية حيث المرتب الرغد و الحوافز الاعلى ، لا تتعجب ان رأيت احدهم يتولى ترقية لا يستحقها بتوصية من نائب مجلس شعب ، لا تتعجب ، فالعيب ليس فيهم و لكن فيمن عينهم .


لا تتعجب ان رأيت وزيرا يخوض الانتخابات ، لا تتعجب لو رأيت اخر لا يعبأ بالدعاية – و الكلام الفاضى ده من وجهة نظره - ، طبعا ليس السبب هو ثقته فى الناس و انهم يحبونه و لا يحتاجون من يهمس فى اذانهم بأسم سيادته الفخم العظيم ، لكن لثقته التامة ان هناك من سيتولى مهمة تثبيته بدون هم وغم ، بدون بذل جهد او عرق ، بدون ان يعد الناس بملا لا ينفذه مستقبلا كما اعتادنا ، لا يحتاج الى اغداق المال على الشعب لضمان الاصوات ، طالما يمكنه ان يغدقها فى المكان المناسب و بسعر اقل بكثير .


و فى سبيل ذلك لابد من تصفية كل من يتدخل او يشكك فى نزاهة الانتخابات ، فهم اول من لمح ، اول من ذكر بالاحداث المؤسفة السابقة ، التى كانت فى اعقاب الانتخابات الماضية ، و بالتالى لابد من اسكاتهم جميعا ، لو اضطر الامر اجلاسهم جميعا فى منازلهم ، فالطريقة القديمة التى تنص على القبض عليهم لم تعد تجدى ، حيث زادتهم شهرة و ثقة بين الناس ، فالان التجاهل و الزامهم منازلهم فى اقامة جبرية ، عبر منعهم من المنابر الاعلامية التى كانوا يتولونها ، هو الوسيلة الافضل .


قد تكون فوجأت بقرار توقف برنامج القاهرة اليوم ، لكن المقصود طبعا كما تدرى اسكات الصحفى عمرو اديب ، رغم – و بالمصادفة – قربه و بشده من السلطة ، لا يستطيع احد ان ينكر ذلك بما فى ذلك الاستاذ عمرو نفسه ، لكن صوته الطاعن و بشده فى الانتخابات ، من يتولى المسؤلية و الاشراف عليها ، جعل منه اضحية ، يأتى ذلك مع قرار اقالة الصحفى الاخر ، هو الاستاذ ابراهيم عيسى من تقديم برنامجه على قناة رجل الاعمال نجيب ساويرس عقب حلقته المثيرة التى تناول فيها غياب العدالة الاجتماعية و تملك بعض الوزراء لبعض المصالح من وراء الخصخصة ، ثم اقالته من جريدة الدستور التى انشأها ، ذلك بعد شهرين من تولى رجل الاعمال الاخر الدكتور السيد البدوى لرئاسة مجلس ادارتها .


رجال اعمال يخدمون السلطة بأموالهم و هم على دراية كاملة ان السلطة ستزيدنهم من خيراتها ، فى جنة كبيرة عرضها كعرض السماوات و الارض ، الامر لا يحتاج الا الى التضحية بالقليل مقدما ، مقابل تسهيلات و فوز عظيم فى النهاية ، الكل يخرج امامك على شاشات التلفزيون ليدعى انه من اهل الحريات ، انه من اصحاب الفكر ، بينما هو فى الواقع ممن يتلقى الفكر و القرار ، و بالتالى فان فاقد الشىء لا يعطيه ، ان كنت لا تذكر اشكال النفاق القديم عهده للسلطة ، تواطىء الحزب الذى يدعى المعارضة ، امور مساعدة التى يتلقاها بعض رجال الاعمال تسهيلا و تيسيرا ، ليس من اجل نهضة الاقتصاد ، لكن لتسيير المراكب السائرة .


لا تتعجب او يصيبك التفاجؤ ، فكل شىء متوقع ، الامور تسير على وتيره صناع القرار غير عابئيين بتعجب حضرتك اصلا ، لانه يبدو لهم انهم يدرون بمصلحتنا اكثر منا كما يحاولون الاظهار فى تصريحاتهم ، او مصلحتهم فى بلادهم التى انت لست جزءا منها من وجهة نظرهم ، يكفيك ان تشكرهم ان قرارات التصفية التى اتخذوها كانت اكثر رحمة بكثير من قرار التصفية الذى قام به مايكل كورليونى فى روايه الاب الروحى ، الذى قدمه على الشاشة الممثل القدير ال باتشينو .




السبت، 2 أكتوبر 2010

الحب و البهائمية

الحب و البهائمية


يمييل البعض لتصنيف الحب على انه الانجذاب لطرف اخر ، تقبله ، تقبل كل ما فيه من مزايا و عيوب ، فضائل و رذائل ، سمات و ضرائر ، قد نجد الغرب يعرف الحب على انه شهوة ، نجد للاسف بعضنا يتقبل التعريف و يقبله و يسلم به و يؤمن به ، يسير مرددا له فى كل فيلم ، او برنامج تليفزيونى ، او فى دار للملذات و الانحرافات مثل الملاهى الليلية ، بل و قد تجد البعض متبنى الفكرة و جعل منها جزء من شخصيته فيرددها فى كل مكان .


قديما قال فرويد ان الحب هدفه الاول هو الجنس ، ان الاثنين هما نفس الشىء ، نفس الينبوع ... و نحن لا نرى ذلك اطلاقا ، فكيف نتصور المرأة على انها هذا المثال ؟ّ! و كيف ننظر لانفسنا على تلك الطبيعة البهائمية ؟ ، و كيف ننظر للحب من ذلك المنظور على انه اشباع للشهوات ؟! و لكن للاسف فان هناك من يتبنى الفكرة و يؤمن بها ، بكل اسف على صعيد الجنسين ، حتى المرأة حطت من نفسها و قدرها و تبنت الفكرة تحت طابع التحرر و الحرية .


و نحن لا نطلب من هؤلاء الا تعريفا و تفسيرا للمرأة الفاضلة .... نريد منهم ان يخبرونا عن صفاتها ، كيف تكون ، كيف تنشأ لتكون كذلك ، كيف ينظرون لها مع نظرتنا لها .


المرأة الفاضلة المعروفة للجميع هى من تزيد عن غيرها بالحب و الاحتكام للعقل و الاخلاق و الفضيلة ، لا المرأة التى تهوى لسحيق بيع الجسد ، الانزلاق للعبودية ، اشباع الشهوة على حساب كرامتها و كرامة شرفها ، هى التى تربط الحب بالعطاء و المسامحة ، لا بالاخذ و انتظار المقابل ، هى التى ترضى عقلها و ضميرها ، لا التى تسعى لارضاء و اشعال نيران رغبتها و شهوتها و شهوة الاخرين .


و انا لا الوم هؤلاء بقدر ما الوم من هو مسؤول عن تربيتهم ، تعليمهم ، زرع الفضيلة فيهم منذ الصغر ، اعطائهم جرعة المعرفة عن اصناف و اشكال الحياة و مدى صحة و خطأ كل منها ، فالاب غالبا مسرور بما تفعله ابنته ، لديه هذا التعريف المخلوط و المغلوط عن التحرر ، فقد خلط فى فكره - غير متعمد او متعمد لاخفاء غياب سطوته على المنزل – بين التحرر ، التحلل و الانحلال ، الام غالبا مشغولة اما بمشاكلها او مشاكل لا تعنيها فى الاساس ، غالبا لن تجدها مشكلة فلسطين ، او غياب الوعى فى مجتمعنا ، او نقص فرص العمل ، او مشاكل اقتصادنا الناهض ، بل كلها مشكلات اقل بكثير من ان تعى عينها افراد اسرتها بالفحص و اعطاء النصيحة و نقل الخبرة و المتابعة .


و لدينا ايضا مؤسسة كبرى كالاعلام ، ما يشكله فى وعى الناس ، فهم يقدمون الحب على انه غريزة فقط ، انه مجموعة من الرقصات و التمايلات لفتيات الفيديوكليب و مجموعة من الموسيقى الشاذة التى تشبه مع تلك التمايلات ، تمايلات الوثنيين القدماء امام الهتهم ، فعبادة الجسد تفوقت على تعاليم الدين ، الزيف الذى يقدمونه اصبح يقدمه الاعلام على انه فلسفة ، حتى البرامج التى من المفترض ان تكون هادفة تجدها لا تخلو من مذيعة متكشفة تتخذ من التشويح فى وجه الضيوف منهج اعلامى ، و اعلانات تمتلىء بكل تسول بواسطة الاغراء و الشهوة و الجسد ، فما علاقة اعلان شيكولاته بفتتاتين تلبسان جونلة قصيرة فوق الركبة ، او اعلان بطاطس بملابس مكشوفة الصدر ، او اعلانات معطر بفوطة تكتفى بستر القليل و تظهر الكثير . لقد شوهوا الحب فى نظر الجميع ، فقدموه على انه طلب للشهوة ، عبادة للجسد .


لقد نسى هؤلاء ان الحب يدوم لسنوات ، بينما الشهوة تنسى بعد انقضائها ، نسوا ان الحب لا ملل منه و لا ضيق ، بينما الشهوة هى قائمة اساسا على الطمع ، و الطمع هدفه هو السعى نحو عدم الاشباع و التجديد و تغيير الحالى بما هو غيره ، فيسهل على العلاقة القائمة على الشهوة البحث عن جديد بل و يطلبها ، بينما يصعب على الحبيب ترك محبوبته و العكس ، بل يزداد الشوق مع انقضاء الايام ، مرور الساعات ، انقضاء الدقائق و اللحظات .


نسوا ان الحب بلا غرض ، بينما الشهوة هى الغرض ذاته ، ان ما يسبقها هو الدافع و الوسيلة ، نسوا ان الحب متجدد فى ذاته فلا يحتاج الى تجديد اللذة بمؤثر جديد ، بينما الشهوة منبعها الغريزة ، الغريزة تقوم اساسا على طلب الجديد و التجديد نتيجة الملل من تكرار الشىء ، فان اجبرت شخصا على تناول طعام يحبه جدا لسنوات ، لا طعام اخر غيره ، سيشعر بالملل و يرغب التجديد .


ثم انهم يطالعونا برأيهم ان الشهوة ، الغريزة و اتباعها تحرر ... و كيف يكون ذلك و الانسان اسير شهوته ، يفكر باعضائه لا عقله ، يهين عقله من اجل مزاجه ، يعيش مسجونا فى شهوته ، طبيعة اشباعها ، لذلك نجد شهوانيين يدفعون للشهوة ، اخرين يبيعونها ، و كلهم اسير تلك المتاجرة الرخيصة ، الاستعباد المقنع .


ان تطويع النفس و الاجتهاد عليها ، اصعب كثيرا من الامور البدنية و التى تحتاج لمجهود عضلى خارق ، لان النفس قد تطلب كل شىء ، بل و تستطيع ان تعطى كل المعاذير و الاستثناءات التى تجعل من الشر مقبولا ، تجعل من الرجعية تقدما ، تجعل من البهائمية تحررا ، تجعل من الانفلات حقا بموجب قانون اخترعه الضعيف لنفسه ليخفى من ضعفه . و لكن الشخص القوى المسئول هو من يستطيع ان ان يملك نفسه ، من يستطيع ان يطوعها و يملك لجامها ، من يستطيع ان يكتشف الحقيقة وراء الاشياء ، من يستطيع ان يهمل الهالة الكبيرة حولها و ينظر لما هو فى منتصفها ، هو من يستطيع ان يحترم حرية الاخرين و لا يؤذيهم من اجل شهوته ، هو من يستطيع ان يغلب افكاره الشيطانية قبل ان تهوى به للسحيق .


تجدهم ينسبون التقلد بالبهائم انه انسانية و حرية و تمدين ، و هل كانت القبائل القديمة متخلفة الا لانها لم تستطيع تنظيم حياتها و لم تستطيع تفضيل المصلحة على الشهوة و الغريزة و النفسية ، و هل حب الوطن و الاخلاق و الفضائل ويحتاج لشهوة ؟ و هل حب العمل و المثابرة و الكفاح يحتاج لشهوة ؟


ان القواعد و التعاليم و الاخلاق هى فعلا كالاسوار و العوائق و العراقيل كما يدعون ، نحن لا ننكر ذلك ، لكن تبنى الاسوار و وسائل التدعيم بغرض الحماية و الوقاية و التكتم حتى قضاء الحاجة احيانا ، ليست دائما لمنع و تقييد الاتصال بين الداخل و الخارج كما يظنون ، فالاخلاق و الفضيلة الغرض الاساسى منها هو وقاية الجنسين من اخطار كثير ، حمايتهما حتى الوصول لفراش الزوجية ، ليست قيد او سجن يحتاج التحرر منه .


ان هؤلاء يعيشون عصر التخلف ذاته ، ليس تخلف المدنية و الحضارة ، بل تخلف التفكير ، فساد العقل ، ركنه جانبا حتى يعمل سيده الجسد و ينال ما يشتهيه ، يحظى بما هو محرم ، ليستمتع به اكثر رغم حرمانيته ، يمنى النفس بالزيادة و الوصول لاعلى من ذلك فقد يزاول ما هو اشد و اقسى على طبيعته الانسانية و ما هو ادنى من الحيوانية ، التمتع بالشذوذ و العنف و الاباحية .



خير الخلق لا يقرأ



خير الخلق لا يقرأ



استمعت بالامس الى برنامج يتحدث عن السيرة و مدى تأثير النبى ، انبرى الضيف الذى هو مفكر اسلامى – يحتمل الخطأ او الصواب - بفكرة اول مرة تخطر على اذهاننا جميعا ، انا شخصيا لا اتفق معه ، لكن الرجل له مواقف كثيرة ، دراية جيدة ، اراء مؤثرة ، فان كان اخطأ ففى تلك المرة و لا يجوز ان نجلده .


الرجل تناول بعض الافكار الخاطئة لدى الناس ، بدأ يتحدث عنها و يبرزها ، فى منتصف الكلام ابرى الرجل و تطرق لفكرة ان النبى امى لا يقرأ و لا يكتب ، قال عنها انها اعتقاد خاطىء ، ثم قال ان الروايات التى تتحدث عن تناول الحديث بين النبى و جبريل ( اقرأ .. ما انا بقارىء .. اقرأ .. ما انا بقارىء ) هى لا اساس لها من الصحة ، استند على ذلك بقوله ان النبى هو الكامل ، الامية صفة نقص ، لذا لا ينبغى ان تكون بالنبى .


عندما حاوره المحاور الذى كان يستضيفه عن معنى : " بعث فى الاميين نبى منهم " فسرها حضرته ان الاميين لا يقصد بها قلة العلم ، عدم القراءة و الكتابة ، بل يقصد بها عدم العلم بالله تعالى و كيفية العبادة .


انا اختلف اجمالا و تفصيلا مع حضرته فله فكره الذى قد يصيب و يخطأ ، نحن ايضا لنا رأينا الذى يحتمل نفس الاحتمالين ، ان كنا نتمنى ان يكون مصيبا باذن الله ، فقد اغفل حضرته روايات اخرى كثيرة عن عدم تعلم النبى ، انه بالفعل كان لا يقرأ ، مثل فى صلح الحديبية ، عندما رفض على واقسم الا يمحى رسول الله فى نص الخطاب ، فاراد النبى ان يحل المشكلة ، فقال : ( ارينيها يا على ) .. النبى لا يقرأ ، فاراد من على ان يريه الكلمات التى ينبغى مسحها ، يقوم هو بنفسه بمسحها .


ثم لو كان النبى بالفعل يقرأ و يكتب ، فلم يستعين بكتبة الوحى ، يخبرهم ان يكتبوا و ينسخوا ما يتلوا عليهم ، اليس من الافضل ان يكتبه النبى بنفسه ، خوفا من اى تحريف او تغيير ؟ هل نسينا رواية عبد الله بن ابى السرح الذى كفر و عاد لقريش يكذب عليهم ، يقول انه كان يخدع النبى و يغير فى كتابة الوحى ، لان النبى كان لا يقرأ لم يكن يعلم انه يفعل ذلك ،طبعا كلماته غير صحيحة ، لان الصحابة الذين يجيدون الكتابة كانوا يراجعون خلفهم ، النبى احل دمه فى وقت دخول مكة .


كل تلك الروايات و الرواية الاولى لجبريل و النبى مذكورة فى كل نصوص الكتب الاصلية ، عمالقة قدام الكتب ، التى كتبها كبار عمالقة المؤرخين الاسلاميين و ائمة السنة امثال الطبرى ، غيره ، ثم ان القرأن لا يفسر يا استاذنا ، بل هى خواطر قد تصيب و قد تختلف عند اخرين بحيث لا يجرح المعنى و الهدف الاسمى للرسالة ، لكن تفسير حضرتكم للاية مخالف تماما لما قد افكر فيه عن تلك الاية ، فالقوم كانوا لا يجهلون حقيقة وجود الله قطعيا ، لان الحنيفية كانت وسطهم ، تدين بها الكثيرون منهم ، لولا انهم اتخذوا مع الله اصناما يعبدونها ، غيروا فى مفاهيم الدين و العبادة ، فحتى تفسير حضرتكم هذا غير صحيح .


اعتقد عزيزى القارىء ان الاستاذ كان يريد ان يقول ذلك من باب ان يرفع الحرج عن نفسه ، عن المسلمين خاصة من يعيش بالخارج منهم ، حيث يخشون ان يعايرهم الغرب ان نبيهم العظيم لا يقرأ ، فاراد ان يقول ذلك ليخفف او ينفى التهمة ، هذا غير صحيح ، لانه لا يجوز من قريب او من بعيد ان يتم وضع عين الاعتبار بقول هؤلاء ، فهم ينتقدون لأى شىء ، لكل شىء ، ان لم يجدوا ما ينتقدون به ، سيخترعون الكذب عن النبى و الدين كما اعتدنا منهم ، ان اية سيدنا محمد هى اميته ، الم تعقلها يا استاذ ؟ ان محمدا الذى لا يقرأ و لا يكتب ، قد علم الامة ، امم الامم ، تلك هى معجزته ، ثم ما ادراك اصلا ان قول كهذا قد يكمم افواههم ؟ لم لا يخرجون علينا فى الغد معتمدين على قول سيادتكم ، يقولون ان محمدا كان لديه من الصحائف القديمة ، التوراة ، الانجيل ، كان يستغلها لتأليف القرأن ، العياذ بالله ؟!!!!