تطوير منظومة التعليم
لا اعلم تحديدا من صاحب هذه الجملة الفظيعة ، لكنه حقا يستحق عن جدارة جائزة الاوسكار عن احسن فيلم خيال علمى ، فهو يفترض وجود شىء اصلا ثم يحاول جاهدا – حسب رأيه – ان يطوره و يبنى عليه ، لا اعلم كيف تأتى كل هذة الجرأة و الشجاعة و التنوير ليخاطبنا فى ذلك .
التعليم اصلا له مقومات لا اعتقد انها تتوافر فى الطريقة الحالية ، فالتعليم له بنية اساسية – فى بعض الدول مفتوحة - ، لان كثير من الدول تظن ان الارتقاء مستقبلا يكون على قدر ما يحصله الاجيال من العلم و التعلم ، فهم يرون ان التعلم يحتاج ان ينفق عليه و ببذخ ، حتى يجنوا عقولا متفتحة واعية ناهضة ، نحن نرى ان علينا ان نجنى من التعلم و ببذخ ، حتى نرفع من ايرادات وزارة المالية و خزينة الدولة . هم يوفرون المرتبات و المعاشات و الايرادات ، حتى يتوفر للناس ان يدفعوا و يصرفوا على تعليم ابنائهم ، شراء الكتب و المراجع الخارجية ، التعلم الاليكترونى ، الاسطوانات التعليمية ، لا يكتفون بهذا فقط ، بل يمنحون منح تعليم مجانى للمتفوقين شاملة كل شىء ، بينما لدينا نحن نحارب الكتب الخارجية و نرفع فى اسعارها ، نغالى و بشدة فى مصاريف التعليم ، رغم علمنا الجيد بموارد الاسرة ، نغالى و بخاصة على المتفوقين بحجة انهم من يربحون اكثر فى المستقبل ، يجب ان لا تتكفل الدولة بمصاريف تعليمهم .
هم يعتمدون على الوسائل الحديثة و الاساليب التكنولوجية و المراجع الاصلية ، نحن - و بلا فخر – نحارب الكتب الخارجية ، اى مصدر اخر غير كتاب المدرسة الذى لا يصلح الا لتعبئة الطعمية عند اى محل بيع ، نغلق ابواب غرفة مناهل المعرفة طوال السنة فو وجوه الطلبة حفاظا على "العهدة" بداخلها - الا لو كانت مدارس اجنبية حضرتك ، فلك الحق ان تلحق اولادك بها - ، نغلق المكتبات التى تحتوى على كتب انتهى اعمارها الافتراضية منذ ثلاثين عاما ، هم يقدمون مناهج متوافقة مع النظم العالمية الجديدة ، ما يجرى حولنا فى العالم كل يوم ، كل جديد و حديث ، نحن لا نزال نعيش على النظريات العلمية الخاطئة ، الافتراضات التى سبق خطأها بعد ذلك ، مازلنا ندرس تركيب الذرة ( تتكون الذرة من نواة تحتوى على البروتونات و النتيرونات ، يدور حولها مجموعة من الاليكترونات ) بينما هم يدرسون اخر التطبيقات التى اجريت على استخدام الاليكترونات ، كيف يتم التجارب حاليا لاثباتات مستقبلية .
ثم تعال بنا نفحص مناهجنا الجبارة التى تحتاج للتطوير ، المنهج يتم وضعه عن طريق مجموعة من الجامعين الذين يطلقون على انفسهم مؤلفين ، الكل يعتمد عليها ككبش عظيم ، مصدر ربح هائل ، دون النظر لما يتم وضعه اساسا ، فلا تتعجب ان امور منسية فى الكتب ، بينما الاهتمام بأمور وهمية و غيبوبة و طرافات و خيال ، لا تتعجب من ان يكون تطوير التعليم فى المناهج الخاصة بالثانوية العامة تشمل حذف نص مهم لكاتب ممن ارسوا مبادىء الكتابة هو عبد الحميد الكاتب ، فى نص رائع و بديع عن كيفية اختيار الصديق – و يا لحاجتنا الى نص كذلك فى تلك المرحلة - ، الابقاء على نص اهبل و ضعيف و ركيك مثل المقامة الحلوانية ، التى كانت حوادث و نوادر يسلى بها المهرجون الملوك لقبض العطايا و الجوائز ، دون النظر لما تحتويه تلك الطرائف من اى ابداع ادبى .
ليس غريبا اغفال شعراء كبار امثال فاروق جويدة ، نزار قبانى ، غيرهم ، عند الحديث عن مدرسة الشعر الحديث ، ضرب المثال لهذه المدرسة بنص النسور لمحمد ابو سنة ، يكفى ان تسأل اى طفل قبل اى طالب ثانوى عام عن رأيه فى نص كهذا لخبرك انه لا ينتمى من قريب او من بعيد للشعر ، اذكر فى مرة ان طالبا سأل معلمه عن اين القافية التى تجعل من هذا النص شعرا ، فقال له المعلم : " انت فاكر ان ده شعر اصلا ، انت بتستعبط ، اقعد . " ، يمكن اهمال شعراء كبار كهؤلاء ، درج اسماء اخرى اقل منهم – مع الاعتذار لهم و لكن هذا هو الواقع – لعل لان لهم مواقف لا ترضى عنها الحكومة ، او الوزارة ، و لكن ما ذنب الطلبة فى ذلك ؟ هل خلت كل تلك الاسماء من اى عنصر ابداع حتى تفرضوا عليهم نص ضعيف كهذا ؟ و هل لا يوجد اى نص اخر محترم يمثل تلك المدرسة غيرهم غير هذا النص الضعيف الهش ؟
ثم خذ عندك مثالا اخر ، و هو القصة التى يفترض ان يدرسها الطلبة فى الصف الثالث الثانوى ايضا ، فيتم الاعتراض على قصة القدس العريقة التى كانت تحتوى على معانى رائعة ، تتكلم عن احتلال الصليبين للقدس و صولا لتحريرها على يد صلاح الدين الايوبى ، فى جمل و معانى و تصويرات بديعة و خلابة ، يستمتع الطالب بقراءة القصة لنفسه و ليس للتعليم فقط ، فيتم تنفيذ خطة مقننة لحذف قصة رائعة كهذه – فى وقت كهذا – عن طريق حذف مجموعة من السطور فى كل عام بحجة انها تدعو للحقد و الكراهية . هل تصور سيادتكم ان الصليبين عندما جائوا لاحتلال البلاد كانوا يكنوا كل الحب و التقدير للعرب ؟ المهم انه استمر الحذف كل عام حتى صارت القصة بضع ورقات او اقل قليلا ، فكان لزاما عليهم ان يغيروها و بنص للرائع طه حسين – الذى احبه و اقدره جدا شخصيا ، يكفى ان تقرأ له كتاب "الشيخان" لتعرف قيمته – هو نص قصة الايام ، مع كامل احترامى لكن كتاب القدس كان احب و افضل من كتاب الايام ، فهو يغرس التعلق بالوطن فى نفوس طلبة تتفتح اعينها على المرحلة الجامعية و الاهتمام بمشاكل بلدهم ، بدلا من كتاب الايام الذى يستعرض فيه الكاتب عضلاته فى مواجهة الاخرين ، عدم احترامه لاخوته و معلميه .
اللغة العربية التى يفترض ان تكون اهم مادة بالتعليم – على الاقل بحكم اننا عرب و تاريخنا طويل و مزدحم - و التعلم ، اصبحت مثلما نرى ، فما بال حضرتك بالباقى ، ما بال حضرتك بالعلوم التى ماتت نظريتها منذ زمن بعيد و استبدلت بما هو اهم و احدث ، فما بالك باللغات الاجنبية التى اصبحت فى خبر كان ، اصبح شكل اولادنا يكسف فى مواجهة اى سائح للتعامل معه ، ما بالك بالجغرافيا التى اقتصرت على جملة عقيمة بدأت فى التغير تدريجيا حاليا ( جو مصر حار جاف صيفا ، بارد ممطر شتاءا ) ، تاريخ يتبع الاهواء فى الكتابة ، حسب هوى المؤلف يتم كتابة التاريخ دون الرجوع لاصحاب العلم و التفسير ، يسجل الغزو على انه فتح ، الفتح انه غزو على حسب هواه ، يلعن فى حقبة من التاريخ و سلاطين حكموا البلاد حسب هواه .
تربية دينية و وطنية تبعث فينا التعصب و اتباع العصبية و القبلية ، الدين يقدم مغلوطا و بكل اسف ، فحتى الان مازال يظن ان النبى الحكيم قد كتب فى صلح الحديبية ان لا يدخل اى كافر للاسلام طوال المدة ، ليس اى من قريش – و الفارق كبير جدا فهو يهدم معنى و اساس الصلح اصلا ، هو خلوا بينى و بين باقى الناس - ، التربية القومية - او الوطنية حسب مزاج الاساتذة الجدد - لديها عقدة التمجيد و التفخيم من كل مشروع او قرار او اعلان ، حتى و لو اعلنت الحكومة بنفسها لاحقا فشل المشروع ، او فشل التواصل ، او عجز تنفيذ القرار حتى الان ، كل ما يهمهم هو ملىء مجموعة صفحات ، قبض ما يتيسر من المال نظير ذلك ، رغم ان تاريخنا و قوميتنا فى العصر القديم و الحديث ممتلىء بالكثير و الكثير مما يدعو للفخر .
ثم خذ عندك مثلا لطريقة التعليم التى تدعو للتقيؤ ، برنامج تلفزيونى رائع مثل برنامج عالم سمسم ، كان يقدم للاطفال بصورة سهلة و بسيطة تدعوهم للتعلم ، يعتمد اصلا على فكرة الجذب الجماهيرى لمتابعة شخصياتهم المحببة و التعلم منها ، بالتالى تعلم المناسب و المفيد و ما يلزم لتلك المرحلة العمرية و ما يناسب سنهم ، لا مانع من قليل من الضحك و الاستمتاع بالمشاهدة ، كل ذلك حتى قرر الوحش و التنين ان يخرج من نومه و يتولى المسؤلية ، كل هذا كان قبل ان تتولى وزارة التربية و التعليم التدخل و انتاج و الاشراف على البرنامج ، ليصيب البرنامج الملل و الكأبة و السماجة ، اصبح مصدرا لاصابة الاطفال بالتخلف الذهنى و الصرع ، فكانت لهم القدرة العظيمة على تحويل البرنامج الى احد برامج محو الامية التى يتولونها على القنوات المحلية ، نفس السماجة و الكأبة و التخلف فى تقديم المعلومة ، اصبحت الشخصيات كمن يمسك العصا و يقوم بالتدريس بعد ان كنت تحس انهم تلاميذ و متلقيين علم كهؤلاء الاطفال .
عرفت لماذا فشل النظام اصلا ، لان الطريقة من الاساس خطأ ، كلما ظننا ان الموضوع قد ينجح اكثر لو توليناه بمنظورنا للاشياء و بطريقتنا و منهجنا و منظومتنا فى التعليم ، فانه يفشل اكثر ، ذلك لان طريقتنا خاطئة ، منهجنا خاطىء ، منظومتنا خاطئة ، و بكل اسف لا يوجد من يعترف .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق